متابعة : الشتوي حنان
في الجنوب الشرقي للمغرب حيث تتعانق قمم الأطلس الكبير مع رمال الصحراء الذهبية تمتد منطقة تحمل ذاكرة عميقة ورصيدا حضاريا فريدا. هنا، في واحات تافيلالت ودرعة وزاكورة وفجيج، يصنع تاريخ لا يكتبه الحجر فقط، بل يكتبه الإنسان بعلمه وصبره وإصراره.
على مدى قرون، لعب الجنوب الشرقي دورا استراتيجيا باعتباره بوابة المغرب نحو الصحراء الإفريقية.
فقد كانت القوافل المحملة بالذهب والملح والجلود تعبر المنطقة محولة إياها إلى ملتقى ثقافات ومركزا للتجارة والعلم.
ومن هذه الأرض انطلقت الدولة العلوية التي ستوحد المغرب لاحقا.قبائل أمازيغية وعربية.. وحدة رغم الاختلاف تضم المنطقة فسيفساء قبلية متنوعة:قبائل أمازيغية راسخة مثل أيت عطا، أيت حديدو، أيت خباش، أيت سدرات وأخرى عربية عريقة مثل أولاد جرير وأولاد سيدي الشيخ ورغم الاختلاف اللغوي والثقافي، نجحت هذه القبائل في بناء توازن اجتماعي قائم على التحالفات والتعاون، وهو ما مكنها من مواجهة قسوة الطبيعة والحفاظ على استقرارها.
واحات تحيي الأرض تعرف واحات تافيلالت ودرعة وزاكورة بإنتاج أجود أنواع التمور في العالم، وعلى رأسها تمور المجهول، إضافة إلى الرمان والحبوب والخضر. وتشكل هذه الواحات مصدر حياة للمنطقة ولعشرات القرى المحيطة بها.
تزخر جبال الجنوب الشرقي بالفضة والرخام والرصاص والزنك، فيما أصبحت الأحجار النيزكية موردا اقتصاديا جديدا يجذب الباحثين والتجار من داخل المغرب وخارجه.
تحولت مضايق تودغى، ووادي دادس، وكثبان مرزوكة إلى وجهات سياحية عالمية، تستقطب آلاف الزوار كل سنة.
رغم قسوة المناخ وبعد المنطقة عن المراكز الحضرية الكبرى، تميز أبناء الجنوب الشرقي بارتباط عميق بالعلم والمعرفة. فقد كانت الزوايا، خصوصًا الزاوية الناصرية بتمكروت، مدارس علمية تخرج منها فقهاء وقضاة وخطاطون ورجال دولة.ولم يتوقف هذا الإرث عند الماضي، فاليوم يبرز أبناء المنطقة في مختلف المجالات:أساتذة جامعيون وباحثون مرموقون أطباء ومهندسون ذاع صيتهم داخل المغرب وخارجه كتاب وفنانون حفظوا الذاكرة المحلية ونقلوها للأجيال الجديدة ويجمع المتابعون أن هذا التميز نابع من ثقافة محلية تقدس العلم وتعتبره وسيلة للارتقاء الاجتماعي، إلى جانب صبر أبناء المنطقة وإصرارهم على تجاوز العوائق الطبيعية والجغرافية.
لا تزال الفنون الشعبية مثل أحيدوس وأحواش والشعر الملحوني تعكس حيوية الثقافة المحلية. كما تستمر الزوايا في أداء دورها الروحي والتربوي، محافظة على جزء مهم من الهوية المغربية الأصيلة.
تشكل القصور والقصبات الطينية رمزا عمرانيا فريدا للجنوب الشرقي.
فهذه البنايات ليست مجرد هندسة بل نموذجا للتنظيم الجماعي ومقاومة قسوة المناخ.
الجنوب الشرقي للمغرب ليس مجرد مجال جغرافي؛ إنه مدرسة تاريخية وثقافية أنتجت رجال علم وفكر، وصنعت واحدة من أهم التجارب الإنسانية في المغرب.
ورغم التحديات تظل المنطقة محتفظة بجاذبيتها بهويتها العميقة وبأبنائها الذين يحملون مشعل المعرفة أينما حلوا.










