ما درسناه في الجامعة في جغرافية المدن أو في إعداد المجال لسنوات هو أن المدن ليست حدودا ترسم على الورق، بل كيانات مجالية تنمو وفق منطق جغرافي وتاريخي واقتصادي متكامل.
وعندما يفصل الامتداد الطبيعي عن مركزه، لا يتغير الخط الإداري فقط، بل يتغير مسار التنمية.
هذا ما حدث بين القنيطرة والمهدية: فقدت الأولى واجهتها البحرية، وفقدت الثانية عمقها الحضري.بالعودة إلى تاريخ المدينتين فمنذ العهد القرطاجي، كان مصب وادي سبو فضاءً استراتيجياً للتجارة والتبادل.
وفي القرن الثاني عشر، شيد يعقوب المنصور قصبة المهدية لتكون بوابة بحرية ودفاعية. تعاقبت عليها قوى متعددة، قبل أن يسترجعها مولاي إسماعيل ويحصّنها.

لكن مع الحماية الفرنسية سنة 1912، تحوّل الثقل العمراني إلى القنيطرة، فتراجع الدور الوظيفي للمهدية، وتعمّق الهامش بعد إعلانها جماعة حضرية سنة 1966.
المشكل لم يكن في استقلال جماعة عن أخرى ، بل في غياب رؤية شمولية. حين فُصلت المهدية إدارياً، فصل جزء من تاريخ مدينة القنيطرة ، و فُصل مصب سبو عن عمقه الحضري، والواجهة البحرية عن مركز القرار، وبحيرة سيدي بوغابة عن منظومة التخطيط. فأصبح التخطيط في القنيطرة مبتوراً، و أصبحت مهدية خارج الرؤية التنموية المتكاملة .

قصبة المهدية و أسوارها تآكل الجزء الأكبر منها ، الشاطئ و البحيرة دون تثمين حقيقي، بسبب التشتت المؤسساتي، و ضعف الامكانيات ،حيث وجدت مهدية نفسها مسؤولة عن تراث استراتيجي يتجاوز قدراتها المالية و التقنية .
في المقابل، تخطط القنيطرة دون أن تمتلك امتدادها الطبيعي الكامل.
إعادة التفكير في العلاقة بين المدينتين لا تعني إلغاء الهويات، بل بناء وحدة مجالية وظيفية تشمل الميناء، المصب، القصبة، البحيرة والواجهة البحرية، عبر تنسيق مؤسساتي وتخطيط استراتيجي مشترك.
السؤال اليوم ليس فقط: هل أخطأ التقسيم الإداري؟بل: هل نملك الجرأة لإعادة النظر في التقسيم الإداري و وصل ما فُصل، وبناء رؤية مجالية تعيد للقنيطرة واجهتها البحرية، وللمهدية عمقها الحضري، في إطار تنمية متوازنة تحفظ التراث وتثمن البيئة وتستثمر في المستقبل؟









