الأربعاء 15 أبريل 2026
بسم الله الرحمن الرحيم( ولقد نعلم أنه يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) صدق الله العظيم.
السيد رئيس لجنة العدل والتشريع المحترم؛
السيدات والسادة أعضاء اللجنة المحترمين؛
أتشرف اليوم بتقديم مشروع قانون رقم 66.23 يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الذي يندرج في سياق مواصلة تنزيل مسار إصلاح منظومة العدالة، ولا سيما في شقه المتعلق بتأهيل المهن القانونية والقضائية، بوصفها ركيزة محورية في هذه المنظومة وعاملا حاسما في تحقيق النجاعة القضائية.
وتحتل مهنة المحاماة في المغرب مكانة راسخة في منظومة العدالة، إذ تجسد الضمانة الأساسية لأسمى الحقوق التي يكفلها الدستور للمتقاضين، وهو حق الدفاع، الذي يعد جوهر شروط المحاكمة العادلة.
وتزداد أهمية هذه المهنة جلاء في ضوء دورها الفاعل في تصريف العدالة، وإسهامها في استعادة المراكز القانونية للأفراد، ورد الحيف والجور والتعسف، فضلا عن دورها في تعزيز دعائم دولة الحق والقانون، استنادا إلى طابعها الحقوقي الأصيل.ووعيا بأهمية هذه المهنة، فقد عرفت أول تنظيم لها بموجب الظهير الشريف الصادر في 12 غشت 1913، ثم تعاقب على تنظيمها عدة قوانين آخرها القانون رقم 28.08 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.08.101 بتاريخ 20 من شوال 1429 (20 أكتوبر 2008).
وبعد مرور سبعة عشر (17) سنة على دخول القانون رقم 28.08 المذكور حيز التنفيذ، فقد كان لا بد من وقفة تأمل وتفكير لتقييمه، والوقوف على مكامن ضعفه وأهم معوقات تنزيله لغاية سدها ومواجهتها، وبالتالي تحقيق المناعة لهذه المهنة القضائية الهامة.
وفي هذا الإطار باشرت وزارة العدل حوارا مسؤولا مع كافة الجهات المعنية والهيئات التمثيلية، كان مناسبة لتقييم القانون المنظم للمهنة رقم 28.08 ساري النفاذ، والاستماع لتصورات الجهات المذكورة ومقترحاتها بشأن مراجعة هذا القانون، وتطلعات المحامين بشأن مستقبل المهنة وتأهيلها، وقد أسفر هذا الحوار عن إعداد مشروع قانون جديد للمهنة يراجع بصفة كلية القانون الحالي، ويمكن إجمال أهم المستجدات التي جاء بها فيما يلي:
- أولا
– على مستوى تأهيل المهنة: سعيا إلى الارتقاء بمعايير وشروط ولوج وممارسة مهنة المحاماة تم التنصيص في مشروع هذا القانون على اعتماد نظام المباراة للولوج إلى المهنة بدلا من نظام الامتحان المنصوص عليه في القانون الحالي ساري النفاذ، بهدف وضع وسائل عملية للتحكم في أعداد الوافدين إلى المهنة وتمكينهم من الحصول على التكوين اللازم لهم، واستقطاب أجود الكفاءات.واعتبارا لأهمية التكوين في تأهيل المحامين والارتقاء بمستوى أدائهم، تم التنصيص على أن المترشح الذي يجتاز بنجاح مباراة ولوج المهنة يكتسب صفة طالب صفة طالب ويقضي بهذه الصفة فترة تكوين أساسي لمدة سنة واحدة بمعهد التكوين، يتلقى خلالها تكوينا نظريا ويحصل بعد اتمامها على شهادة الكفاءة لممارسة مهنة المحاماة يسلمها له المعهد، ثم تمرينا لمدة أربعة وعشرين (24) شهرا تحت إشراف هيئة المحامين المعنية تتضمن عشرين (20) شهرا بمكتب محام يعينه النقيب وتدريبا لمدة أربعة (4) أشهر في مجال ذي صلة بممارسة مهنة المحاماة بإحدى الإدارات أو المؤسسات العمومية أو باقي أشخاص القانون العام أو المقاولات العمومية.
وإلى جانب ذلك تم التنصيص على مقتضيات جديدة تهم الجانب المتعلق بالتكوين، من خلال إسناد دور أكثر أهمية للمعهد يتمثل في توفير التكوين التخصصي لفائدة المحامين الممارسين قصد تمكينهم من تطوير خبراتهم بما يمكنهم من مسايرة التطورات والتحولات التي تعرفها التشريعات الوطنية والدولية في مجال المحاماة والعدالة، ومنحهم شهادة يكتسبون بموجبها صفة محامين متخصصين.
وسعيا إلى جعل تكوين المحامين أداة للارتقاء بقدراتهم المهنية وتأهيلهم لمواكبة المستجدات المتعلقة بالممارسة المهنية، تم التنصيص على إلزامية خضوع المحامين لتكوين مستمر واعتبار كل إخلال بهذا الواجب إخلالا مهنيا.
- ثانيا
– على مستوى كيفية مزاولة المهنةتضمن مشروع هذا القانون مستجدات هامة في مجال أشكال ممارسة المهنة تروم إعطاءها كافة الإمكانات المتاحة لتسهيل مزاولتها خاصة بالنسبة للمحامين الجدد في بداية مسارهم المهني مع فتح آفاق جديدة أمامهم بالانفتاح على المحامين الأجانب، وذلك من خلال التنصيص على إمكانية مزاولة المحامي للمهنة بصفة فردية أو مع غيره من المحامين في إطار عقد مشاركة مع محام آخر مسجل بنفس الهيئة أو عقد شراكة مع محام آخر مسجل بهيئة أخرى شريطة ألا يتجاوز عددهم محاميين اثنين، أو في إطار عقد مساكنة مع محام آخر مسجل بنفس الهيئة أو في إطار شركة مدنية مهنية أو بصفته محاميا مساعدا.
كما تم التنصيص على إمكانية إبرام المحامي لعقد تعاون مع محام أجنبي أو مع شركة مهنية أجنبية للمحاماة، وتم التنصيص على مقتضيات تهم ضبط ممارسة المهنة في هذا الإطار، وذلك بالتأشير على العقد المذكور من طرف نقيب الهيئة التي ينتمي إليها المحامي الوطني.
وعلى مستوى مزاولة المهنة من طرف المحامين الأجانب، فقد تضمن المشروع مقتضيات تروم وضع الضوابط اللازمة لمزاولة مهامهم بهدف تشجيع الاستثمار الخارجي، وذلك من خلال التنصيص على عدم السماح للمحامي غير الحامل للجنسية المغربية الذي يزاول المهنة في بلد أجنبي، يرتبط مع المغرب باتفاقية تسمح لمواطني كل من الدولتين المتعاقدتين بمزاولة المهنة في الدولة الأخرى، بالقيام بمهام المهنة إلا إذا كان مسجلا في أحد جداول هيئات المحامين بالمغرب، وذلك بهدف إخضاع هؤلاء المحامين للضوابط القانونية المؤطرة لممارسة مهنة المحاماة واحترام أعرافها وتقاليدها.
وفي نفس الشأن، وبناء على نفس الاعتبارات المذكورة، تم التنصيص على إمكانية الإذن من طرف وزير العدل، بصفة استثنائية، لمكتب محاماة أجنبي لا يرتبط بلده الأصلي باتفاقية مع المملكة المغربية بممارسة مهام المهنة، شريطة أن يكون مرتبطا بعقد مع شركة أجنبية لها بالمملكة المغربية مشروع استثماري أو صفقة وأن يسجل بلائحة مستقلة لدى هيئة المحامين التي ينفذ بدائرة نفوذها المشروع أو الصفقة، وأن لا يمارس مهام المهنة خارج نطاق المشروع الاستثماري أو الصفقة، وإذا كان لهذا المشروع الاستثماري أو الصفقة امتداد بعدة مدن، وجب على مكتب المحاماة الأجنبي التسجيل بلائحة مستقلة بهيئة المحامين بالرباط.
كما تم التنصيص على أن انتهاء آثار الإذن الصادر عن وزير العدل لمكتب المحاماة الأجنبي بانتهاء المشروع الاستثماري أو الصفقة، مع إخبار وزير العدل بذلك من طرف نقيب الهيئة المسجل بها مكتب المحاماة المذكور.
وسعيا إلى ضبط علاقة المحامي بموكله، ودعم آليات تعزيز ثقة المواطنين في الدفاع وتلافي جميع الإشكالات التي تثار بشأن نيابة المحامي، تم التنصيص لأول مرة على أنه يتعين على المحامي أن يتوفر على تكليف مكتوب من موكله يتضمن مجموعة من البيانات من بين بينها الاسم الكامل للموكل، والاسم الكامل للمحامي ورقم ملف القضية المكلف بها إن وجد، ومرحلة التقاضي المتفق عليها، وموضوع القضية، وكيفية أداء الأتعاب عند الاقتضاء مع إمكانية إضافة شروط أخرى يتفق عليها الأطراف.
كما تم التنصيص على اعتبار إقرار المؤازر أو الموكل أمام جهة قضائية باسم المحامي المختار من طرفه بمثابة تكليف، وتضمين هذا الإقرار بمحضر خاص.
- ثالثا
– على مستوى حصانة الدفاع:تضمن هذا المشروع مقتضيات جديدة تروم تعزيز حصانة الدفاع وذلك من خلال التنصيص على أنه في حالة اعتقال المحامي أو وضعه تحت تدبير الحراسة النظرية يجب إشعار نقيب هيئة المحامين الواقعة بالدائرة القضائية لمحكمة الاستئناف حيث وقع الاعتقال وذلك بجميع الوسائل المتاحة، وعدم الاستماع إلى المحامي المعني، إذا كان الاعتقال بسبب مرتبط بممارسة المهنة، إلا من طرف النيابة العامة بحضور النقيب أو من ينتدبه لذلك، وفي حالة تعذر إشعار النقيب لأي سبب من الأسباب ضمن ذلك في المحضر وجوبا.
ولتعزيز ضمانات حصانة الدفاع ومنع أي تطاول عليها بانتحال صفة المحامي، فقد تم التنصيص على إلزامية ارتداء المحامي بذلته المهنية عند حضوره أمام الهيئات القضائية أو التأديبية، احتراما للتقاليد والأعراف المهنية النبيلة التي تعارف عليها المحامون وتقوي حضورهم داخل منظومة العدالة والتي يتعين ترسيخها وضمان استمراريتها بتوثيقها والسهر على التشبع بها.وفي نفس الشأن تم التنصيص على منع المحامين من تنظيم الوقفات الاحتجاجية ورفع الشعارات داخل فضاءات المحاكم في وقت انعقاد الجلسات والتشويش على السير العادي لها.
- رابعا
– على مستوى المسطرة التأديبية:في إطار تعزيز فعالية وحياد مسطرة تأديب المحامين وتحسين نجاعتها، مع إحاطتها بكافة الضمانات لفائدة المحامي الذي قد يرتكب مخالفة للنصوص القانونية أو التنظيمية أو قواعد المهنة، تم التنصيص على وجوب اتخاذ النقيب قرارا معللا بشأن الشكايات التي يتوصل بها في مواجهة محام بالمتابعة من عدمها داخل أجل شهر واحد ابتداء من تاريخ التوصل، مع تخويل الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف حق المنازعة أمام مجلس الهيئة على قرار الحفظ الصريح مع وجوب بت المجلس داخل أجل ثلاثة أشهر ابتداء من تقديم المنازعة، بعد الاستماع إلى المشتكي والمشتكى به، أو في غيابهما إذا توصلا بالاستدعاء ولم يحضرا؛وسعيا إلى تعزيز ضمانات الوقوف على حقيقة الادعاءات المنسوبة إلى المحامي المشتكى به، تم التنصيص على تعيين عضو مقرر أو أكثر من أعضاء مجلس الهيئة، في حالة قرر هذا الأخير إجراء المتابعة، يتولى إجراء تحقيق حضوري مع المحامي المتابع.
وبهدف توفير ضمانات المحاكمة العادلة في المتابعة التأديبية، تم التنصيص على حق المحامي المتابع في الاطلاع على ملف القضية والحصول على نسخ من وثائقه، والاستعانة بمحام أو أكثر لمؤازرته.
وتجدر الإشارة إلى أنه تم التنصيص على إمكانية إيقاف البت في الشكاية وحفظها، في حالة تنازل المشتكي عن شكايته، قبل بت مجلس الهيئة في موضوعها.
ولمعالجة الإشكالات التي تقوض نجاعة وفعالية المسطرة التأديبية، تم التنصيص على تخويل كل من الوكيل العام للملك والمحامي المعني حق الطعن أمام غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف المختصة في القرار التأديبي في القضية.
كما تم التنصيص على إحداث بطاقة شخصية لكل محام رسميا كان أو متمرنا، تمسك من طرف كل هيئة للمحامين، وتقيد فيها كل المقررات التأديبية الصادرة ضده، ومآلها، ووضعية تنفيذها، وتضم إلى الملف المهني للمعني بالأمر، مع إحالة نظير منها في حالة انتقاله إلى هيئة أخرى.
- خامسا
– على مستوى التنظيم:تضمن هذا المشروع مستجدات تروم تقوية الإطار المؤسساتي للمهنة بهدف تسهيل عملية التواصل والتفاعل وذلك من خلال ما يلي:
على مستوى هيئات المحامين تم التنصيص لأول مرة على مقتضيات تروم تمثيلية النساء المحاميات بمجالس هيئات المحامين.
وتفعيلا لتوصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة، بمراجعة شروط الترشيح لمنصب النقيب، تم التنصيص على حصر مدة انتخاب النقيب في ولاية واحدة فقط غير قابلة للتجديد.
كما تم التنصيص على الرفع من النصاب القانوني اللازم لإحداث هيئة للمحامين إلى 500 محامي على الأقل، وكذا تعديل عدد المحامين المسجلين بالهيئات المطلوب لتحديد عدد أعضاء المجالس.
تلكم إذن، أهم مستجدات هذا المشروع الذي يعول عليه من أجل إعادة تنظيم هذه المهنة وتأهيل المنتسبين إليها وجعلها قادرة على مواكبة المستجدات التي يعرفها قطاع العدالة.
وفي الختام أريد أن أؤكد لكم على تقديرنا الكامل للجهود الكبيرة والصادقة التي تبذلونها، وأشكر لكم ما أوليتمونه لهذا النص التشريعي من اهتمام عبر التعجيل بدراسته.
ومن المؤكد أن مناقشة مشروع هذا القانون بلجنتكم الموقرة، والآراء والملاحظات والاقتراحات التي ستبدونها جميعا، ستساهم بلا شك في تجويده وإخراجه في الحلة اللائقة به، وهو الذي سيحدث ولا ريب في المشهد القضائي طفرة نوعية غير مسبوقة.
نسأل الله تبارك وتعالى، أن يوفقنا جميعا لبلوغ الإصلاح المنشود وذلك تحت القيادة الحكيمة للقاضي الأول صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله الراعي الأمين لمسار إصلاح منظومة العدالة، والله ولي التوفيق.والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
















