يقف ملف الصحراء المغربية أمام مرحلة دبلوماسية جديدة، قد تحمل في طياتها تحولات عميقة في طبيعة التعاطي الأممي مع هذا النزاع الإقليمي، في ظل استمرار التحركات الدولية الرامية إلى إيجاد تسوية سياسية دائمة، تقوم على الواقعية والتوافق وتراعي المتغيرات الجيوسياسية التي باتت تؤثر بشكل متزايد في مسار هذا الملف. وتأتي هذه التطورات في سياق حراك دبلوماسي متواصل، تتداخل فيه مواقف القوى الدولية مع رهانات الأمم المتحدة على إعادة تنشيط العملية السياسية، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النقاش بشأن آليات تدبير النزاع ومستقبل التسوية المنشودة.
وفي هذا الإطار، جرى تداول نص منسوب إلى مسودة أولية لمشروع قرار أمريكي مؤرخ في 20 أكتوبر 2026، يتضمن مقتضيات وُصفت بأنها غير مسبوقة بشأن مستقبل العملية السياسية، ومصير بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، فضلاً عن طبيعة المرحلة المقبلة التي قد يشهدها المسار الأممي. غير أن التعامل مع هذه المعطيات يقتضي التمييز بين ما يرد في الوثائق المتداولة وما يصدر رسمياً عن الجهات المعنية، إذ تظل المسودات الأولية قابلة للتعديل والمراجعة قبل اعتماد أي صيغة نهائية داخل مجلس الأمن الدولي.
وتكتسي هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به الولايات المتحدة الأمريكية في صياغة مشاريع القرارات المتعلقة بملف الصحراء، باعتبارها أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وما تمتلكه من تأثير في توجيه النقاشات المرتبطة بمستقبل العملية السياسية. كما أن أي توجه جديد في الصياغة الأمريكية من شأنه أن يثير نقاشاً واسعاً بشأن طبيعة المقاربة الدولية المعتمدة، ومدى قدرتها على تجاوز حالة الجمود التي طبعت المسار السياسي لسنوات، والدفع نحو تسوية تحظى بقبول الأطراف المعنية وتحافظ على الاستقرار الإقليمي.
ومن جهة أخرى، يطرح الحديث عن مستقبل بعثة المينورسو أسئلة مهمة حول طبيعة المهام التي يمكن أن تضطلع بها خلال المرحلة المقبلة، ومدى ارتباط استمرارها بالتطورات السياسية التي قد يعرفها الملف. فالبعثة، التي أُنشئت في سياق أممي محدد، تظل جزءاً من منظومة تدبير النزاع ومواكبة المسار الذي ترعاه الأمم المتحدة، وأي تغيير محتمل في ولايتها أو في طبيعة مهامها يستوجب قراءة دقيقة للمرجعيات القانونية والسياسية التي تحكم عملها، بعيداً عن التأويلات المتسرعة أو الاستنتاجات التي لا تستند إلى نص رسمي معتمد.
وعلى المستوى الدبلوماسي، يظل المغرب متمسكاً بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الذي يقترحه لتسوية النزاع في إطار السيادة المغربية، فيما تتواصل الجهود الدولية بحثاً عن أرضية سياسية تسمح بإحراز تقدم ملموس. وفي هذا السياق، قد تشكل أي صياغة جديدة لمشروع قرار داخل مجلس الأمن مناسبة لإعادة تقييم مواقف الأطراف، وقياس مدى استعداد المجتمع الدولي لدعم مقاربة عملية تستند إلى الواقعية السياسية والتوافق، مع مراعاة قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
ولا تقتصر أهمية المرحلة الحالية على مضمون مشروع القرار المتداول فحسب، بل تمتد إلى الرسائل السياسية التي قد تحملها صياغته النهائية، سواء فيما يتعلق بتحديد أولويات المرحلة المقبلة، أو بتقييم أداء المسار الأممي، أو بإعادة ترتيب الأدوار المنوطة بمختلف الأطراف والهيئات المعنية. فالتغييرات التي قد تطرأ على لغة القرارات الدولية، حتى عندما تبدو تقنية أو إجرائية، يمكن أن تعكس تحولات أوسع في موازين التفاوض وفي طبيعة التوقعات الدولية بشأن فرص التوصل إلى تسوية.
وبين المعطيات المتداولة والانتظارات السياسية، يبقى الحسم في دلالات هذه التطورات رهيناً بصدور النص الرسمي لمشروع القرار، وما قد يطرأ عليه من تعديلات خلال المشاورات داخل مجلس الأمن. فالمسافة بين المسودة الأولية والقرار المعتمد قد تكون حاسمة في تحديد طبيعة الرسائل التي ستوجهها الأمم المتحدة إلى الأطراف المعنية، كما أن الموقف النهائي سيظل مرتبطاً بمضمون الوثيقة الرسمية وبالسياق الذي ستُعتمد فيه.
وعليه، فإن ملف الصحراء المغربية يبدو مقبلاً على محطة دبلوماسية تستدعي متابعة دقيقة وتحليلاً متأنياً، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو التعامل مع التسريبات باعتبارها قرارات نهائية. وبين رهانات تحريك العملية السياسية وإمكانية مراجعة بعض جوانب التدبير الأممي، ستكشف المداولات المقبلة داخل مجلس الأمن عن مدى استعداد القوى الدولية للانتقال من إدارة النزاع إلى الدفع نحو حل سياسي دائم، في مرحلة قد تكون لها انعكاسات مهمة على مستقبل الملف وعلى استقرار المنطقة المغاربية عموماً.









