أهمية المداخل التاريخية و الثقافية في الدفاع عن الوحدة الوطنية المغربية

[هيئة التحرير]1 نوفمبر 2026
أهمية المداخل التاريخية و الثقافية في الدفاع عن الوحدة الوطنية المغربية

ذ: سعيد توبير

ترد هذه المداخلة – التي تتأطر ضمن الإحتفاء بالذكرى الأولى ل “عيد الوحدة31 أكتوبر”، الذي تنظم فعالياته من طرف المنتدى المغربي الإفريقي للتعاون الدولي تحت إشراف رئيس المكتب المركزي للمنتدى بمكناس السيد: مولاي حفيظ حافظي العلوي- إلى سببين رئيسين:

1_ انتزاع حقنا المشروع في إطار القانون الدولي، بهدف استكمال وحدتنا الترابية، و المتصل بقضية الصحراء المغربية المفتعلة، وذلك عن طريق الشرعية الدولية و المناهج الديبلوماسية الحديثة. بحيث برهنت فتوحات الديبلوماسية المغربية على جدية ومعقولية، طرح الحكم الذاتي في إطار الوحدة الترابية للمملكة.

إنه الحدث التاريخي بامتياز، الذي طلما انتظره المغاربة بصبر شديد طيلة نصف قرن. ليتبين من خلال هذا الإنجاز التاريخي إخلاص المؤسسة الملكية لمسؤوليتها التاريخية و الدينية، وتفانيها في الحفاظ على الوحدة الروحية و الترابية للملكة الشريفة، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله و أشفاه.

2-_ السبب الثاني هو زيارة الملك فيليب السادس الإستفزازية الى مدينة سبتة السليبة. بحيث أحييت هذه الأخيرة جروح الإستعمار و الطغيان وإمكانيات المقاومة في نفوسنا ” نحن المغاربة”.

فالأسبان يعلمون علم اليقين أن احتلالهم للشمال و الجنوب المغربي كان تحت عباءة الحماية الفرنسية. كما أنهم يعرفون جيدا أثر الحضور الحضاري و الثقافي المغربي الإمبراطوري في الأندلس.

ومع ذلك لا يفكرون في حسن الجوار و حتمية الجغرافيا وشروط العيش المشترك. و هو ما يجعل من درس الحركة و المقاومة الوطنية محرضا أساسيا و باعثا مستعجلا في جدول أعمال المنتدى المغربي الإفريقي للتعاون الدولي البحثية في المستقبل المنظور.

في إطار هذه المداخلة ” أهمية المداخل التاريخية و الثقافية في الدفاع عن الوحدة الوطنية المغربية “ارتأينا استدعاء بعض أفكار أحد أبرز رموز الثقافة المغربية.

بحيث تم الإعتماد من حيث المدخل التاريخي على مقاربة الدكتور عبد الله العروي و مدخل الثقافة مع مقاربتي كل من الدكتور محمد عابد الجابري و عبد الكبير الخطيبي.

على أساس أن تكون هذه المداخل رافعات أكاديمية و ثقافية من مستوى عالي للدفاع عن الوحدة الوطنية المغربية. المدخل التاريخي : الدكتور عبد الله العروي ماذا نعني بالمغرب؟ ما طبيعته الجغرافية و الإجتماعية و السياسية؟يقول الدكتور عبد الله العروي في «استبانة»:

«شتان بين ما نعلم وما نعتقد، والأغلبية تعتقد قبل أو دون أن تعلم». إن الرقعة الأرضية التي تشكل المغرب لم تكن دائمًا على صورة ما نرى اليوم. تكونت بالتدريج بجبالها وسهولها وشواطئها.

فصلها البحر عن الأندلس، وبالتدريج فصلتها جبال الأطلس عن باقي المنطقة. ثم، بالتدريج، عمرتها أقوام جاءت من شتى الجهات.

حافظت في البدء على مميزاتها، فكانت قبائل، ثم تمازجت فتألفت جماعات أوسع تتماثل أعرافًا وتقاليد ولهجة، ثم خضعت بالتدريج إلى سلطة واحدة. توالت النزاعات إلى أن تمت الغلبة لفرد تحت لواء واحد، مع التطلع إلى التوسع المستمر. فكانت بالتالي حركة مد وجزر فيما يخص الحدود.

هذه هي القاعدة، تنطبق على المغرب وعلى غير المغرب. يرى أنه كان مقدرًا أن يبسط الشعب المغربي المتحد، المتميز منذ فجر التاريخ، سلطانه على الأرض التي وهبها له الخالق، والتي تمتد من طنجة إلى قلب الصحراء.

هذا ما خطط له إدريس الأول وأنجزه خلفه، ثم سار على أثره السلاطين، منهم الكبار من كل الأسر المتعاقبة على عرش المغرب. ومنهم من تجاوزه، لكن أدرك الهدف، ومنهم من وقف دونه.

مؤكدا على أن المغرب تميز عبر تاريخه باستمرارية الدولة، رغم تغير الأسر الحاكمة، من الدولة الإدريسية إلى الدولة العلوية، هذه الإستمرارية جعلت المغرب يحتفظ بوحدة سياسية ومؤسساتية قلّ نظيرها في العالم العربي.

1_ دولة تاريخية لا دولة استعمارية. : يقول العروي إن الدولة المغربية ليست دولة استعمارية نشأت في حدود رسمها المستعمرون وأورثوها لقادة ما بعد الاستقلال، بل هي دولة ومجتمع تكوّنا تاريخياً عبر قرون، وبخاصة بعد القرن السادس عشر.

2_ استمرار السيادة رغم تعدد الإدارة. يميّز بين السيادة الواحدة والإدارة المفوَّضة. فبعد مؤتمر الجزيرة الخضراء (1906) كان الفرنسيون يديرون الدار البيضاء والإسبان طرفاية والبلجيكيون وغيرهم طنجة، لكن الجميع كان يعترف بسيادة واحدة هي «حقوق السلطان».

ولذلك لم يرث الإستعمار الأوروبي السيادة من دولة سابقة كما في الجزائر العثمانية، أو من رؤساء القبائل كما في عموم إفريقيا.

3_ وعي وطني سابق للاستعمار. كان الاستعمار يروّج أطروحة تربط نهاية المغرب القديم بعهد الحماية وتجعل سنة 1930 بداية المغرب الجديد، وتعتبر ما سبقها من مقاومة مجرد تسيّب قبلي. وردّ العروي بتحديد مجال بحثه بين 1830 (احتلال الجزائر) و1912 (عقد الحماية)، وبأن الوطنية المغربية لها جذور قبل الاستعمار، ولم تتأثر به إلا في جوانبها الهامشية، ولذلك لم تختفِ بانتهائه.

4_تعبئة عامة في لحظات الخطر. يربط بين محطات متشابهة: معركة وادي المخازن (1578) التي شارك فيها المغاربة من جميع الجهات، وحرب تطوان (1859) التي أُعلن فيها الجهاد حتى في الأطلس المتوسط، والمسيرة الخضراء. فالوطنية عنده تحوّل في الوعي الجماعي تنمحي فيه الاختلافات العمرية والسياسية والتقنية.

5. وعي بالحدود المعروفة. يرى، مستنداً إلى العروي، أن المغرب دولة تاريخية تكوّنت عبر قرون، وليس دولة رسمت حدودَها قوى استعمارية. وقد تبلور وعيه الوطني في الدفاع عن حدود معروفة لدى السلطة والشعب.

وهو يقدّم المسيرة الخضراء بوصفها واقعة نفسية عامة أعادت الوعي المغرب الى ذاته.خلاصة القول : هو أن الدولة المغربية لم تكن مجرد سلطة سياسية، بل مؤسسة تاريخية رسخت الشعور بالوحدة والانتماء الوطني، وساهمت في حماية البلاد من التفكك.

معتبرًا أن تجربة الحماية الفرنسية على المغرب أدخلت إصلاحات إدارية وتقنية مهمة، لكنها لم تؤسس لدولة وطنية مستقلة، بل هدفت إلى خدمة المصالح الاستعمارية.

و عليه فالدولة المغربية ليست مجرد جهاز إداري أو سياسي، بل هي نتاج تاريخ طويل من التفاعل بين السلطة المركزية، والشرعية الدينية، والبنيات الإجتماعية التقليدية، والتحديات الإستعمارية الحديثة. كما أن الهوية المغربية ليست هوية أحادية مغلقة، بل هي حصيلة روافد متعددة تاريخية وثقافية وحضارية، غير أن وحدتها لا تتحقق إلا داخل إطار الدولة الوطنية الحديثة التي تنظّم هذا التعدد وتمنحه معنى سياسيًا وتاريخيًا مشتركً.

المدخل الثقافي: الدكتور محمد عابد الجابري

يرى المثقف المغربي الدكتور محمد عابد الجابري الذي اشتهر في العالم العربي و الإسلامي بكتابه : “نحن و الثرات” و “نقد العقل العربي” أن المغرب تميز ب:

1. استقلال في القرار: يرى أن الحياة الحزبية والوطنية في المغرب تتحرك في إطار مغربي محض. فأحزابه، باستثناء الحزب الشيوعي قديماً، لا ترتبط بجهات خارجية في كيانها ولا في تمويلها ولا في سياستها. ولذلك لم تؤثر في الحركة الوطنية الأحداث الكبرى مثل سقوط الاتحاد السوفياتي. كما يقول إن المغاربة «يمغربون» ما يقتبسونه، أي يأخذون الفكرة ثم يتصرفون فيها باستقلال. ويضيف أنهم لا يستمدون العون من الغرب ولا من الشرق، ولا من الليبرالية الغربية ولا من الماركسية الشرقية.

2. الوطنية والقومية شيء واحد : الحركة الوطنية في المغرب مستقلة عن التيار الإشتراكي العالمي، وعن الحركة القومية نفسها تنظيمياً. لكنه يقول إن الاتجاهين في المغرب شيء واحد، وإن الاتجاه القومي لا ارتباطات له بالمشرق، وإن المغاربة أصدقاء لمختلف التيارات العربية دون أي تحزب لها. يقول إن الهوية المغربية عربية إسلامية مغربية، ثلاثة عناصر لا تقبل الانفصام.

ويرفض «أدلجة» أي عنصر منها: فالإسلام عنده ممارسة وإيمان وسلوك وانتماء حضاري، وليس أيديولوجيا. ويضيف أن المغاربة سنيون مالكيون، فلا توجد في المغرب ثنائية «عروبة ضد إسلام» كما في لبنان مثلاً، ويحذّر من تعميم تلك الثنائية المحلية على العالم العربي كله.

3. الحركة الوطنية هي «البديل» : يرى أن المغرب هو القطر الوحيد، في العالم العربي وإفريقيا والعالم الثالث، الذي لم تتسلم فيه الحركة الوطنية الحكم بعد الاستقلال. وبقيت في موقع المعارضة، فلم يكن هناك فراغ تملؤه قوى أخرى. ويعلل بذلك، حسب رأيه، عدم اكتساح الحركات الإسلامية للمغرب كما حدث في الجزائر. ويصف الدولة المغربية بأنها دولة تقليدية تقيم توازنات وتترك هوامش للحرية والانتخابات والمعارضة.

4. الكتلة التاريخية : يعرضها كفكرة للنقاش الثقافي، وليس كبرنامج حزب. مضمونها أن كل طرف يقتنع بأنه لا يمثل الشعب وحده، فيتفق الجميع على مهام مشتركة في مرحلة انتقالية، ويقترح مواجهة الاختراق الثقافي الأجنبي بكتلة تاريخية، أي إجماع وطني يعي أن أحداً لا يقاوم وحده. في الدفاع عن الوحدة الوطنية:

  • ان المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني يؤكد باستمرار أن مصلحة الوطن والقضية الوطنية تعلو فوق أي اعتبار. قول صاحب الجلالة المغرب دولة عريقة، وأمة موحدة، تضرب جذورها في أعماق التاريخ. والمغرب قوي بوحدته الوطنية، وإجماع مكوناته حول مقدساته.

و هو قوي بمؤسساته وطاقات وكفاءات أبنائه، وعملهم على تنميته وتقدمه، والدفاع عن وحدته واستقراره. قدّم الملك محمد السادس المسيرة الخضراء على أنها وفاء لـ”العهد الموصول” الذي يجمع العرش بالشعب حول وحدة الوطن. وهذا المعنى ما زال حاضراً في الخطاب الرسمي اليوم.

  • عندما رد العروي في اطار النقاش مع علال الفاسي في بداية مارس 1971 بقوله: على المغربي أن يصالح ذاته، أن يصالح أخاه، و أن يصالح الحكومة الشرعية و عليه فإن كل فئة اجتماعية عليها أن تعي أن الدولة هي دولتها لكي نبني دولة و مجتمعا متوازنا، لكي نعيش عيشة عصرية، لابد من أن ننسى أثار الماضي السلبية و أن نتعالى عن الفوارق المذهبية، الطرقية، المحلية و اللغوية.
  • إننا ما نسميه «الوطنية الجديدة»، وهي وطنية تقوم على المعرفة قبل الشعار. فهي تعيد قراءة تاريخ مقاومة المغاربة للخطر الأجنبي، وتعبّئ الرأي العام تعبئة منظمة تستند إلى الوثائق والنصوص التاريخية، وتعتز بالتراث المشترك، بما فيه الحضور المغربي العربي الإسلامي في الأندلس.

كما يشدد على إصلاح جذري لأسس التربية والتعليم، وعلى الإرتقاء بالخدمات العمومية، وعلى محاربة البطالة وتقليص كلفة المعيشة وحماية المال العام.

فالوطن عنده لا يُحمى بالخطاب وحده، وإنما بمدرسة قوية ومواطن مطمئن إلى غده.

  • لا نرى أي تعارض بين التمسك بالحق والإنفتاح على الجيران. فهو يدعو النخب الإسبانية إلى الحوار والتفاوض على قاعدة الندية وتكافؤ الفرص، ويذكّر بأن التجاور الجغرافي حتمية تفرض البحث عن المصالح المشتركة.

وفي خطابه إلى الجزائر ينتهي إلى نداء صريح لرؤية مغاربية تقوم على التضامن الثقافي والتعاون الاقتصادي والتجاري والتقني، وصولاً إلى وحدة اقتصادية واندماج اجتماعي وثقافي بين شعوب المنطقة. ويؤكد أن المغرب، بإرادته الوطنية الواعية بمصالح الأمة، قادر على اختيار شركائه وأسواقه.

الاخبار العاجلة