زلزال قضائي بالرباط.. القضاء يُحاسب أبناءه في واحدة من أكبر قضايا الفساد بالمغرب

[هيئة التحرير]5 أغسطس 2025
زلزال قضائي بالرباط.. القضاء يُحاسب أبناءه في واحدة من أكبر قضايا الفساد بالمغرب

ما حدث داخل محكمة الاستئناف بالرباط لم يكن مجرد مسطرة قضائية عادية، بل كان بمثابة اختبار حقيقي لنزاهة المنظومة القضائية برمتها، وامتحان شاق لقدرة السلطة القضائية على مساءلة ذاتها دون مجاملة ودون استثناءات.

في سابقة غير مألوفة أدانت المحكمة عددًا من المتهمين البارزين في واحدة من أخطر قضايا الفساد التي عرفها القضاء المغربي في السنوات الأخيرة تتعلق بوساطة مشبوهة وبيع أحكام قضائية تورطت فيها شبكة مترابطة ضمت قضاة ومحامين معروفين وموظفين وأبناء قضاة نافذين.

القضية تنفجر من قلب الجهاز بعيدًا عن أي تسريبات إعلامية أو بلاغات مؤسساتية انطلقت شرارة التحقيقات من شكاية وضعتها زوجة قاضٍ كشفت فيها معطيات دقيقة حول تورط زوجها وأشخاص آخرين في التلاعب بملفات قضائية مقابل مبالغ مالية ضخمة.

بلاغ السيدة الذي يُمكن وصفه بالشجاع حرّك آلة البحث والتحقيقات التي باشرتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية وامتدت لتشمل عمليات تنصت على المكالمات وتعقّب مالي وتحريات معمّقة أسفرت عن بناء ملف ثقيل بأدلة قوية فُتح على مصراعيه داخل أروقة العدالة.

الملف الذي شغل الرأي العام انتهى بإدانة رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف وعدد من المحامين بينهم أسماء بارزة إلى جانب نجلي قاضٍ يشتبه في لعبهما دور الوساطة وتسهيل الاتصالات بين المتورطين.

وبغض النظر عن التفاصيل الدقيقة للأحكام، التي تباينت بين الحبس النافذ والغرامات المالية فإن الرسالة الأقوى التي خرج بها المغاربة من هذه القضية أن القضاء بات اليوم مطالبًا أكثر من أي وقت مضى بأن يُظهر صرامته حتى حين يتعلق الأمر بأبنائه.

ما كُشف في هذا الملف لم يكن حالة معزولة أو خطأ فرديًا عابرًا بل مؤشرات واضحة على وجود شبكة محكمة تعرف كيف تشتغل في الظل وتستفيد من نفوذ ومواقع حساسة للتلاعب بمسارات القضايا.

وإذا كانت هذه الشبكة قد تفككت بعد فتح هذا الملف فإن الأهم هو ما بعدها:

هل ستتجرأ النيابة العامة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية على فتح ملفات أخرى مشابهة؟هل سيتم استدعاء أسماء أكبر؟وهل سيُفتح النقاش حول الثغرات التي تسمح لمثل هذه الممارسات أن تتغلغل داخل جهاز العدالة؟

الشعب المغربي لا يطلب من القضاة أن يكونوا ملائكة ولا أن يكون القضاء مثاليًا في كل ملف بل يطالب بالحد الأدنى من العدالة وبأن يشعر أن هناك إرادة سياسية وقضائية حقيقية لمحاربة الفساد دون تمييز بين “عادي” و”محصن”.

وإذا كان شعار “لا أحد فوق القانون” قد رُدّد كثيرًا في خطابات رسمية فإن هذه القضية جاءت لتمنحه لأول مرة مضمونًا عمليًا ملموسًا وذا تأثير مباشر في الوعي العام.

لكن يبقى السؤال مطروحًا: هل ما جرى هو بداية لإصلاح عميق؟أم مجرد نموذج استثنائي يراد به تهدئة الشارع وإسكات الانتقادات؟الأيام القادمة كفيلة بالكشف عن الجواب

الاخبار العاجلة